محمد أبو زهرة

1141

زهرة التفاسير

كالرضا ، ولكن يزيد عليه أنه الرضا العظيم ؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، ولأن التنكير قصد به التفخيم والتعظيم ، ولأنه إبهامه ثم بيان مصدره فيه إشارة إلى شرف هذا الرضا بإضافة لأعظم نسبة إذ هو منسوب إلى اللّه جل جلاله . وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي أن اللّه سبحانه جل جلاله عليم بأحوال العباد علم من يبصر ويرى ، فهو يعلم دقائق أحوالهم وخفى أمورهم ، وخلجات قلوبهم . وصدّر سبحانه القول بلفظ الجلالة لتربية المهابة في القلوب ، وإشعارها بعظمته . وإذا كان اللّه سبحانه وتعالى عليما بخفى أحوالهم ، فإنه سيجزى المحسن إحسانا والمسىء عقابا ؛ فهذه الجملة السامية فيها وعد ووعيد ، وفيها إشعار برقابة العلى القدير ، مما يجعل المؤمن التقى يشعر دائما بأن اللّه يراه ، وإن لم يكن هو يراه ، ويتحقق قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ هذه أول أوصاف المؤمنين الذين استحقوا ذلك الجزاء الكريم من رب العالمين : الَّذِينَ يَقُولُونَ وهذا الوصف يدل على أنهم دائما متذكرون للإيمان وحالهم إنما هو تصديق للنبي في كل ما جاء به ، فلسان حالهم دائما أنهم يقولون آمَنَّا أي أنهم يقولون إنهم يذعنون ويصدقون كل ما جاء به القرآن الكريم ، وهدى النبي الأمين ، ومن كان لسان حاله تذكر الإيمان والإذعان لأمر اللّه تعالى لا تكون منه معصية كبيرة ، ولا إهمال لأوامر اللّه تعالى ؛ لأن ارتكاب المعاصي يتنافى مع الإذعان المطلق ، وتذكر الإيمان الدائم ؛ إذ المعصية تكون في غفلة القلب وعدم تذكر الإيمان ؛ ولذا قال عليه الصلاة والسلام : « لا يزنى الزاني وهو مؤمن » « 2 » ، وإذا كان الإيمان باللّه

--> ( 1 ) هو جزء من حديث جبريل الشهير وقد سبق تخريجه من رواية البخاري ومسلم ، وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح بلفظ المصنف رحمه الله تعالى . ( 2 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : المظالم والغصب - النهبى بغير إذن صاحبه ( 2295 ) ، ومسلم : الإيمان - نقص الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس ( 86 ) ] .